قصص اطفال

قصة قتل منور خانم

كان يحكى في يوم من ذات الأيام عن امرأة كان والدها من الوُجهاء الأثرياء ،كان مفتيًا الجيش العثماني ،وتزوجها ابن أحد الولاة العثمانيين ،من ذوي الإقطاع والثراء ،وكانت هذه المرأة وحيدة أبويها وكان زوجها وحيد والديه أيضا .
كان سمها منور خانم ،توفي والدها فورثته ،وتوفي والد زوجها فورثه ،ثم توفي الزوج دون أن يكون لهما ولد ،فورثت هذه المرأة الجميع ،و أصبح لديها العديد من الأراضٍ ،وإقطاعات شاسعة وكبيرة .
وعندما عم التأميم منذ عدة عقود ،أخذت أراضي الإقطاعيين ،ذهبت أكثر أملاكها ،ولكن القليل الذي بقي كان شيئًا كثيرًا من الأراضي.
سكنتْ هذه المرأة في شقة في إحدى مناطق دمشق ،ولم يكن لها مورد إلا بين الحين والحين بيع جزءًا من أراضيها ،وتنفق على نفسها ،وعندما ينتهي المال تبيع أرضًا أخرى ،وهكذا.
كان من بين الجيران امرأة مريضة تعيش مع طفلتها وفي يوما من الأيام توفت المرأة وتركت الطفلة وحيدة ونظرًا

لوحدة منور خانم، وعدم وجود ذرية تؤنسها، فقد قامتْ بكفالتها إلى أن كبرت وتزوجت وسافرت مع زوجها ،ولما كبرت منور خانم في السن ،كان جيرانها يخدمونها في حاجياتها ،ومنهم العم سليمان، وكان أسفل شقتها صاحب محل للبقالة تشتري منه، ويوصل لبيتها الأغراض.
وذات يوم طلبت من المحل بعض الأغراض، فجاءها صاحب المحل، ودخل بالأغراض، فقالت له: اجلس حتى أُضيفك فنجانًا من القهوة، وقامت العجوز وهي على عتبة السبعين من العمر – للمطبخ لتعِده له، فلعب الشيطان بالبائع، ووسوس له أن ينتهزَ الفرصة ليسرق أموالها، غادر بعدها وهو يفكر بطريقة لقتل العجوز دون أن يترك أثر له .
وفي اليوم التالي أخد إليها بعض الأغراض وترك باب بيتها مفتوح وغادر ،ثم عاد بعد ذلك لسرقتها ، ووجدها في غرفتها فقام بقتلها دون مقاومة منها ، وفتش البيت، ولم يجد إلا مبلغًا زهيدًا جدًّا من المال، فأخده وانصرف مسرعا .
بعد يوم أو أكثر افتقد الجيران جارتهم العجوز، واستغربوا عدم إجابتها، وفتحها الباب، وكان ذلك سببًا لكشف الجريمة، وتم التحقيق مع الجيران، ومنهم العم سليمان، ولم يلبث أنِ انكشف المجرم، وتطابقتْ عليه الأدلة، واعترف.
لكنه وكل أحد شياطين المحامين، فاستطاع تدبير تقرير طبي للمجرم بأنه مختل عقليًّا بدرجة خطيرة، وبعد جلسات في المحكمة أُطلق سراحه، لكونه غير مسؤول عن فعله.
ورجع المجرم لحياته المعتادة حرًّا طليقًا ،وبقى على ذلك سنوات طويلة .
ولكن القصة لم تكتمل هنا فتلك اليتيمة التي ربتها العجوز منور خانم علمتْ بالقصة، وعادت من سفرها وتبنتِ الموضوع، وأعادت رفع القضية على المجرِم بعد أنِ اطمأن تلك المدة الطويلة.
وكانت حجتها القوية : إن كان المجرم مجنونًا بتلك الدرجة المثبتة في التقرير، فمكانه ليس بين الناس العقلاء ،حتى لا يرتكب جرائم أكثر ،وقالت مكانه في مستشفى المجانين، وإلا إن كان عاقلاً فلابدامن القصاص .وفعلاً لم يكن أمام المجرم إلا التشبث بالخيار الأول ،فرارا من العقوبة، فتم إحالته إلى مستشفى المجانين .
وهناك كان المجانين باستقبال النزيل الجديد، وداروا حوله يسألونه : ما الذي أتى به إلى هنا ؟
فقال في نفسه إنهم مجموعة من المجانين لماذا لا أخيفهم وأحكي قصتي الحقيقية لهم فأرعبهم ولا يقتربون مني بعدها .فقال لهم أيها المجانين البلهاء بكل صراحة : أنا قتلت امرأة عجوزًا، وقلت عن نفسي : إنني مجنون، لأهرب من العقوبة، ولكن بسبب ذلك جاؤوا بي إلى هنا .
فاستغرب المجانين، واجتمعوا فيما بينهم، وإذا بهم يحيطون به ويقولون : أنت مجرم أنت قاتل وأخدوا يصفقون ويلفون حوله وقال له لا بد من محاكمتكَ ،سنحاكمك الأن.
فشكلوا محكمة فيما بينهم ،وانتخبوا أحدا منهم في دور القاضي والأخر في دور السجان ،وحكموا عليه بالإعدام شنقًا ،وربطوا عنقه بالملابس ،وهو لا يقدر على الفرار منهم فعددهم كان كبيرا جدا ،ولم يُجدِ الصراخ والاستنجاد، وشنقوه.
وفي اليوم التالي ،لما أراد طاقم المستشفى توزيع الإفطار الصباحي ،وجدوه مشنوقًا .فقالوا : مَن قتله ؟فقال المجانين : نحن شنقناه ،لأنه مجرم قاتل.فسألوا الحارس المناوب، فقال : لم أميز صراخه عن صراخ باقي المجانين المعتاد يوميا .
فذهبت نفسه هدرًا، وهكذا جاء القصاص العادل من حيث لم يحتسب، ونشرت الجرائد في اليوم التالي جريمته وقصته العجيبة مع المجانين الذين أخدوا حق العجوزة المغدورة
لم يضِعِ المعروف في تلك اليتيمة، ولم يضع الحق طوال تلك السنين، وكما قيل : بشّر القاتل بـالقتل .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق